احتراما للتخصصية وللمرحلية
من المبادئ التي يتخذها المبدعون أنهم لا يسلمون عقولهم لمن يفكر عنهم. ومذهبهم هذا يتوافق مع حكمة الله بربط التكليف بالعقل ورفعه عن المجنون، وكذا فعل القانون إذ حاسب وأدان الراشد وعالج واحتوى القاصر، وحتى يصح مذهب هؤلاء المبدعين يجب أن يقترن مع احترامهم التخصصية والمرحلية.
أما احترامهم للتخصصية فيكون بأن يدع كلٌ ما لا يحسن لمن يحسن، وهذا اقتباس من قاعدة للدعاة ذكرها أ.د. محمد أبو الفتح البيانوني. وغالبا ما يذكر عليها مثالا مفاده أنه كما أنه لا يتدخل الصيدلاني في تشخيص الطبيب للمرض، لا يتدخل المحدث في الحكم الذي استنبطه الفقيه، وإن كان من المطلوب أن يفهمه. ومن باب أولى أن لا يتدخل الطبيب في المسائل العلمية الشرعية ولا يتدخل الشرعي في التشخيصات الطبية. وعلى هذا فقس مع أسفك على أن شاع احترام كل التخصصات إلا التخصصات الشرعية.
وأما احترامهم للمرحلية، فهو من باب سنة التدرج والنمو طورا بعد طور في شؤون الحياة، وعندي علميا أن الإنسان يمر في أيِّ علم بأربع مراحل:
بعدهما يصل مَن تدرج وسعى بعون الله إلى:
وهذه هي بداية مرحلة النضج الفكري فهي دلالة على المراهقة الفكرية التي تحصل حين الانتقال من طور التلقي والتقليد إلى طور الابتكار والاجتهاد، كما أن المراهقة النفسية دليل على الانتقال من الطفولة إلى الرشد. ويناسب أن أذكر أنها قد تطول أو حتى لا تنتهي، كيف لا وقد سمعنا عن مراهقات الشيخوخة. ولضبط هذه المرحلة أستعير عبارة الشيخ محمد الحامد رحمه الله حين قال بوجوب المذهبية الفقهية حسما للفوضى الدينية، وأقول بـوجوب المرجعية الأصولية توجيها للمراهقات الفكرية. لا أقصد بالمرجعية الأصولية أن يعود الانسان مقلدا، وإنما أن لا يستقل بفهم حتى تنضج تصورات الآخرين عنده عن موضوع بحثه فلا يقع بأن يظن أنه يأتي بالجديد وهو قد أعاد القديم، ثم بأن يربط استنباطاته بمآخذها من أصول العلم ويستشهد لتركيبة خلاصة فهمه بأفهام من في العلم سبقوه.
هذا وأسأل الله التزاما يضبط سيرنا نحو رضاه.